أخبار فنّيةكتب جمال فياض

” متى كتاب الحزن يخلص ..” ، لكاظم الساهر  عندما يقدّم الفنان مفاجآته، ويطرح جدلية ماذا يريد الجمهور ؟

 
 
كتب جمال فياض
 
 
تأكيداً على ريادته في صون الهوية الموسيقية الرافدية ، يُطلّ الفنان القدير كاظم الساهر بعمله الجديد ” متى كتاب الحزن يخلص… ” الذي أطلقه يوم الحادي والعشرين من أيار( مايو) 2026، ليعيد تقديم  لوناً غنائياً عراقياً  اشتاق إليه الجمهور، هو لون الشجن العراقي الدافئ الأصيل، ولكن برؤية موسيقية غنائية تعكس نضجاً ووعياً راسخاً في التعامل مع الموروث الشعبي. والأغنية، التي تحمل توقيع كاظم كلاماً ولحناً، وهشام نياز توزيعاً، تُمثّل المحطة الأولى وربما الأبرز لألبومه العراقي الكامل المرتقب، الذي يأتي بعد ألبوم “مع الحب” الذي صدر عام 2024.

استهلّ الساهر عمله بذكاء أدبي لافت، إذ ارتكز على شعر “الأبوذية”، أحد أبرز ألوان الشعر الشعبي العراقي وأكثرها عمقاً وتأثيراً، وهو ما يعرفه كثيرون أيضاً بمسمى “الزهيري” أو “الموال السبعاوي”. وتتجلى في هذا النص براعة الجناس اللفظي التام في قفلات الأشطر الثلاثة الأولى، حيث تتوحد الألفاظ في مبناها وتختلف في معناها بعمق تعبيري لافت:
مَتى كِتاب الحِزْن يَخْلَصْ وأسْكِرَه (أي: أُغلقه)
قَلْبٌ ذايِب قَهْر والروُح سَكْرَه (من الثَّمَل أو غمرة الوجع)
أدَوِّخ القَلْب بْغِيابَك وأسْكِرَه (من الغياب عن الوعي)
وأقُولَه حَبَيِّبِي وما يَخُون بِيَّ …
هذا الفن الشعري، نعرفه أيضاً في لبنان ومصر، وهو يقوم على توحيد القافية بكلمة ذات معاني مختلفة.
هذا التكثيف الشعوري والتلاعب الدلالي بالحروف والمعاني وضعا الأساس المتين لبناء لحني يحمل سرّ البصمة الساهرية الخالصة. أما التوزيع الموسيقي فقد أُسند إلى الموسيقي هشام نياز، الذي تولّى صياغة الرؤية الأوركسترالية بأمانة وإبداع جميل ومختلف، حافظ على الروح الشرقية وهيبتها التعبيرية. وإذا كان نياز شخصية لا تهوى الظهور الإعلامي، فأعماله لعدد من كبار الفنانين، تتحدث عنه ، ونكتشفه رغم محاولات التخفّي.
الهيكل المقامي: رحلة بين االحجاز كار، والحجاز غريب( في الختام)، وهو ما ينسب العمل إلى عائلة المقامات الشرقية الرصينة التي وُظّفت تاريخياً لخدمة النص الحزين الباحث عن العتاب والوجع. أغلب الإذكارات الدينية–العاشورائية- العراقية، تخرج من هذا المقام . واستقر خيار الساهر التلحيني، مرتكزاً على  مسحة الوجد والانتظار. غير أن اللحن لم يقف عند رتابة المسار الواحد؛ فقد استغل كاظم مساحاته الصوتية في جوابات الموال ، لينتقل بسلاسة مدهشة نحو ذروة الغناء ، لتبدو بوضوح لوعة “القلب العاشق والمتيّم”، قبل أن يستقر في بعض القفلات الفرعية على “الحجاز غريب” الذي يضفي الدفءالشرقي الحزين على الكلمات والأداء معاً. وهذا التنقل المقامي المحسوب منح الجملة اللحنية ثراءً وتنوعاً يُحسبان لذكاء الملحن المخضرم الخبير وموهبته.
وإذا كان اللحن والمقام هما روح الأغنية، فإن الإيقاع في هذه الأغنية المميزة هو بطلها المحرّك والمفاجأة الأبرز، التي تستوقف السامع. فقد بُني العمل على إيقاع “المقسوم”العراقي، المستمد من تفرعات إيقاع مع حضور مكثّف وظاهر لآلة “الكاسور” العراقية. ثم يعرّج الإيقاع على ” مارش الشوارع” الذي نعرفه في الفرق الموسيقية العسكرية أو الكشفية، التي تنتظم على إيقاع رتيب، ومحلّى بآلات النفخ النحاسية. وجاء توظيفه هنا معاصراً وثقيلاً دسماً على يد الموزع الفنان هشام نياز. والإيقاع السريع الحركي والنشط ، خلق في وعي المستمع حالة من الفرح الحزين أو الوجع النابض. وهي تيمة أصيلة في الفلكلور الغنائي والموسيقي العراقي، تُعبّر عن الألم بطاقة ترفض الإندماج بالميلودراما الرتيبة. والتمازج الدقيق بين الآلات الإيقاعية العراقية الحية، وبين المؤثرات الرقميةوالإيقاعات المعاصرة، مما منح الإيقاع عمقاً وضخامة تتلاءم مع المسار الأوركسترالي الحديث، ويبدو هنا تميّز روح التوزيع عند هشام نياز. هذا ما يمكن تسميته بـالحوار  بين الإيقاع وأداء كاظم الساهر اللحني، دون أنتحجب سرعة “المارش وإيقاعاته” ولا ثقل حضور صوتَ المطرب.
أغنية “متى” ، ليست مجرد إصدار عابر في مسيرة القيصر الحافلة، بل هي وثيقة موسيقية معاصرة تُثبت كيف يمكن للأشكال الشعرية التراثية العريقة كـ”الأبوذية”وإيقاع المقسوم المضاف إليه نكهة تجميلية، أن تندمج بعذوبة وجمال، في موسيقى وأغاني القرن الحادي والعشرين، دون أن تفقد ذرةً واحدة من هيبتها الفنية أو عمقها الإنساني. وهي في الوقت ذاته تفتح الشهية على ألبوم كامل ننتظره بشوق، وعد فيه الساهر بالجمع بين أصالة اللهجة العراقية ووهج الطرب الخليجي في مزيج يحمل روحه وبصمته الخالصة.
كاظم الساهر، ليس مجرّد ملحن أو مطرب يغني ما يطلبه المستمعون، هو مطرب وملحن يفرض فنّه وتراثه على المستمعين، ويأخذهم معه الى حيث يريد ، هو يحرّض جمهوره، على طلب ما لم يكن يسمعه أو يسمع عنه… وهنا يكمن سرّ النجاح الكبير.
يغيب كاظم… ويبتعد ويهدأ، لكنه يعود بمفاجآت تبرّر هذا الغياب، وتشرح لنا أن الغيبة هيبة، والعودة تُسعد وتبهر …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى