أخبار ثقافيةنقلاً عن

ماذا تُخفي المغرب وراء مراكش؟

رحلة من الرباط إلى الدار البيضاء على خطى الحرف اليدوية

بقلم: إيلينا دالورسو | 29 مايو 2026

رحلة إلى المغرب من الرباط إلى الدار البيضاء، على آثار الحرف اليدوية. لأن المغرب ليس مراكش وحدها.

لم تبدأ رحلتي في المغرب باكتشاف الحرف اليدوية من مراكش “المعتادة” والجميلة، بل انطلقت من الرباط، عاصمة المملكة. لم أكن أعرف تماماً ما الذي ينتظرني، غير أن ما استوقفني وما يستحق حقا أن تُضاف إليه المدينة ضمن أي مسار سياحي، هو أناقتها وذلك المزيج الساحر بين الحداثة والتاريخ. شوارع عريضة، وحدائق ومتنزهات خضراء تعتنى بها بدقة مثيرة للإعجاب، وفيلات السفارات والقصر الملكي، فضلاً عن المسرح الكبير الخلاب في الرباط من تصميم زها حديد، المستوحى من أمواج البحر أو انسياب الكوبرا. وفي وادي بورقراق، افتُتح منذ وقت قريب برج محمد السادس، ذلك المشروع الاستشرافي الذي أنجزه المكتب المعماري المدريدي رافاييل دي لا-هوز أركيتيكتوس بالتعاون مع المعماري المغربي حكيم بنجلون. يبلغ ارتفاعه 22 مستوى ضمن 55 طابقاً، ويجسّد رمز نهوض القارة الأفريقية وصعود المغرب في عهد الملك محمد السادس، إذ يضم مجمعاً متعدد الوظائف يشتمل على مكاتب وشقق فاخرة (بتصاميم داخلية من توقيع بيير-إيف روشون) ومرصداً ومطاعم، من بينها مطعم براسيري ماغنوليا بإشراف الشيف لحسن حافيد، وقاعة استقبال فسيحة وصالة للمعارض ومصرف. وفي الطابق التاسع والعشرين يقع فندق والدورف أستوريا بمطعم يحمل توقيع آلان دوكاس.

على جانبَي مصب نهر بورقراق، حيث تتشكّل أحياء سياحية وسكنية جديدة، يمتد الميناء السياحي مع أسواره ذات اللون الأصفر الترابي، وتقع المدينة التوأم سلا بمدينتها القديمة المليئة بالمقاهي الصغيرة ومحلات الحرف اليدوية. على شاطئ المحيط الأطلسي، تمتد كورنيش طويلة مع مدرّجاتها ومطاعمها. يفصل شارع الحسن الثاني بين المدينة الجديدة والمدينة القديمة. وكان مئذنة الحسن جزءاً من مسجد كبير شُيّد عام 1195 ثم دمّره زلزال 1755. وهنا يقع ضريح محمد الخامس المزيّن بدقة متناهية بالحجر المنقوش والزليج الملون البديع.

دار الصانع – الرباط

أسسها الملك محمد الخامس عام 1957، وتُعدّ دار الصانع المركزَ الجوهري للنهوض بالحرف اليدوية المغربية من خلال الدراسات والمعارض التجارية وحلقات التكوين، إذ تدعم الحرفيين وتوجههم نحو تكييف منتجاتهم مع أذواق المستهلكين المعاصرين مع الحفاظ على الأصالة الثقافية، في التزام راسخ نحو الأجيال القادمة.

من الصوف إلى السجادة – موكاري، الرباط

على مشارف المدينة، تعمل موكاري بوصفها مؤسسة حرفية تشتغل على الصوف الخالص منذ أكثر من خمسين عاماً، تصنع سجاداً عصرياً وفق التقنيات التقليدية المغربية القديمة، وكل شيء فيها يُنجز يدوياً بنسبة مئة بالمئة. تبدأ الرحلة من الصوف الخام إلى التمشيط والصباغة وصولاً إلى النسيج. كل سجادة تُحاك يدوياً بالكامل باستخدام صوف عالي الجودة حاصل على شهادات المطابقة. من بين خطوطها المتعددة، تبرز تصاميم نيمين وتيفت وتيسيمين بجمالها اللافت. يُعرف العلامة التجارية بـ”السجادة الكوتور الراقية”، وهي تجمع بين التصميم التقليدي المغربي والفخامة الرفيعة.

إبداعات جميل بنعني الحية – الرباط

حكاية جميل بنعني هي حكاية عودة: ولد في الرباط، ودرس في بلجيكا في معهد سان-لوك بتورنيه متخصصاً في النحت على الخشب، ثم في المدرسة العليا للفنون الحديثة في باريس في مجال التصميم الداخلي. حين عاد إلى مدينته عام 1994، أسس مرسمه JB Design المستوحى من تنوع الحرفة والثقافة في المغرب. تتحدى منحوتاته الموروثات الحرفية والثقافية وتساءل عنها. بتقنيات مبتكرة كالتصبيغ بالفضة والذهب والتجرؤ على مواد كالألومنيوم والتطعيم بالعظام، يمنح المادة ديناميكية ووجوداً ثانياً في ضوء جديد.

عشاء تقليدي في ذا ميزون أراب – الرباط

أبواب خشبية منقوشة، وسجاد شرقي، وبلاط أزرق، ومقاعد موزاييك ووسائد مخمل، ونادلون بالزي التقليدي “الجبادور” وموسيقى حية: أنتم في عالم آخر، عالم “ذا ميزون أراب”، تجربة طهو مغربية بامتياز. يقدّم أفخر ما تزخر به المطبخ الوطني، من الكسكس الأصيل إلى الطاجين والكفتة. والمكوّن الأفضل؟ أجواء ألف ليلة وليلة. (العنوان: 26 شارع شيلا، البريد 14، قصر برج الحسن، الرباط)

مراكش… الإمبراطورية والشعبية

المحبوبة والمزارة، المدينة الحمراء المحمية بقمم الأطلس الثلجية، فتنت الأوروبيين منذ الأزل؛ كثيرون من الكتّاب والرحالة والرسامين والشعراء والمصممين اتخذوها وطناً ثانياً. سواء أضعت نفسك داخل أسوارها التسعة عشر كيلومتراً، أو في أزقتها وفي ساحة جامع الفنا المتعددة الوجوه في المدينة القديمة، أو بين نباتات حديقة إيف سان لوران في ماجوريل، تبقى مراكش وجهة لا غنى عنها.

العمارة الفطرية في دار الباشا – مراكش

دار الباشا قصر في المدينة القديمة العتيقة، يحتضن اليوم متحف الروافد. بُني عام 1910، وكان مسكن التهامي الكلاوي الذي منحه السلطان مولاي يوسف لقب باشا مراكش عام 1912. أراد لقصره الخاص أقصى درجات الأبهة ليبهر ضيوفه. نموذج رائع من العمارة المغربية، يضم نوافير وأشجار برتقال في الفناء المركزي وصالونات تقليدية وحماماً. على كل جانب من جوانب الفناء صالة يسبقها رواق بأعمدة مزخرفة. كثير من السمات التصميمية الأصلية حُفظت وُرممت، من بينها موزاييك الزليج على الأرضيات والجدران، والزخارف الجصية المنقوشة، والأبواب والسقوف من خشب الأرز المنحوت والمطلي. تُسلّط المعارض المؤقتة الضوء على مختلف أوجه الثقافة المغربية. ولمن يرغب في تجربة داخل المبنى، تقدم مقهى باشا كوفي في صالون أثري خليطاً رائعاً من قهوة أرابيكا.

صوفيان زريب 16 – مراكش

صوفيان زريب ولد وترعرع هنا، في مدينة مراكش القديمة. وهنا أيضاً نشأت علاقته بالسجاد. ابن بيئة (والده تاجر سجاد شهير)، نشأ محاطاً بالتصاميم والألوان والحكايات المنسوجة في كل قطعة. ما كان مهنة عائلية تحول إلى شغف شخصي جمّع في صالة عرضه —التي تمتد على أربعة طوابق من مبنى صناعي قديم، مع مستودع تحت الأرض ومستويين للعرض وتراس— قطعاً خمرية وعتيقة مصنوعة من مواد طبيعية كالصوف والحرير والقطن. إلى جانب السجاد، يصمم صوفيان الأثاث والإكسسوارات، من طاولات ومقاعد تُصنع محلياً.

حقائب التضامن من Doum For Women – مراكش

تضم تعاونية دوم للمرأة، المتخصصة في القصب وتُدار من قِبَل نساء، أكثر من مئتي عاملة، ورسالتها دعم إدماج الحرفيات من القرى الريفية المحيطة بمراكش ومساعدتهن على بلوغ الاستقلالية الاقتصادية عبر دخل ثابت في بيئة عمل مثالية. ما بدأ كمشروع لصنع حقائب من ألياف طبيعية فاخرة تحوّل، بفضل ياسمين مدرانيان ووالدتها، إلى فضاء للتحرر. ورقة نخيل الدوم المغربية، التي تجمعها الحرفيات وتضفرها، كانت نقطة انطلاق أولى مجموعة للعلامة. حقائب يدوية الصنع وفق تقنيات التضفير والتطريز التقليدية، ثم تُجمَّع يدوياً في ورشة الجلد، بلغ جمالها حداً دفع كثيراً من الماركات العالمية إلى دعم المبادرة.

نسيج وتطريز تعاونية تمسلوح – مراكش

تأسست عام 2009 في تمسلوح، قرية صغيرة جنوب مراكش، Art Tissage Tam تعاونية متخصصة في النسيج والتطريز التقليديين. رسالتها الحفاظ على الحرف والفنون التقليدية عبر تكوين حرفيين ونساجين جدد وإنتاج منتجات تمزج التراث المغربي بالحداثة. جميع منتجاتها مصنوعة من خيوط طبيعية عالية الجودة على يد رجال ونساء تعلموا النسيج والتطريز منذ الصغر. بعضهم جاء من مركز طفولة شارع تمسلوح، دار الأيتام “أفخاراء وأقوياء”. بالنسبة لهم، العمل في التعاونية تجربة إعادة اندماج حقيقية. في القرية، تنتشر الأنوال التقليدية الخشبية هنا وهناك وفق المساحة المتاحة في كل غرفة.

شاي وبلغة في Jajjah – مراكش

معرض فوتوغرافي لمواهب مغربية ناشئة (من توقيع حسن الحجاج)، ومتجر ومقهى، Jajjah عالم ملوّن بامتياز للتسوق الأصيل؛ بلغات مصنوعة من أكياس الكسكس المعاد توظيفها إبداعياً، وقمصان ونظارات شمسية بتصاميم جريئة، كلها من مجموعة الملابس الحضرية “آندي واهلو” للحجاج. المقهى بأبلاطه الملونة ووسائده المخصصة بطراز الواكس ومائدته البهيجة، خيار رائج للطعام الشعبي أيضاً: حمص متبّل ولحم مفروم مع بصل وطماطم مشوية وغير ذلك.

الدار البيضاء… آرت ديكو والقفاطين

للإرث المعماري الاستعماري الفرنسي مسؤول واحد: أنري بروست، الذي كلّفه هوبير ليوطي حين أصبحت المدينة محمية فرنسية عام 1912 بتحويل طابعها إلى مدينة عصرية أوروبية. وبالفعل مدهشة. انطلاقاً من سينما ريالتو (التي صممها بيير جابان عام 1929) بألف وثلاثمئة مقعد، أربعمئة منها في الشرفة المميزة. أو من كاتدرائية القلب المقدس السابقة عام 1930، من تصميم بول توينون، أو فندق إكسيلسيور عام 1919 حيث كتب أنطوان دو سانت-إكزوبيري روايته “رحلة الليل”.

حمام في المسجد

أمام المحيط الأطلسي بل فوقه بالأحرى، يقف مسجد الحسن الثاني (من تصميم ميشيل بانسو عام 1993) وهو من أكبر مساجد العالم، بمئذنة ترتفع 210 أمتار. استلزم إنجاز هذا التحفة أكثر من سبع سنوات من العمل ولا يقل عن عشرة آلاف حرفي. شيّد المسجد باستخدام مواد من أنحاء المملكة: رخام أكادير، وأرز أطلس المتوسط، وغرانيت تافراوت. تبلغ مساحة المسجد 90,000 متر مربع، يتسع لعشرين ألف مصلٍّ ترتفع إلى ثمانين ألفاً مع الساحة الأمامية. وفي الماضي كانت تقوم مكانه أكبر مسبح عام في العالم. يضم المسجد مدرسة بمكتبة وقاعات للمحاضرات، وحماماً للنساء وآخر للرجال، كل منهما بمساحة ثلاثة آلاف متر مربع مع أحواض وحمام بخاري وقاعة وضوء ومقهى للشاي.

ملكة القفاطين

تخيّل ليلة شرقية وحلماً وأقمشة ثمينة وتطريزاً أميرياً. المصممة الراحلة سميرة حدوشي كرّست أكثر من عشرين عاماً من حياتها لتحديث الملبس التقليدي المغربي، وحوّلت القفطان إلى ثوب الأحلام، ونقلته حول العالم رمزاً للهوية والحرفة الراقية. في أتيليه، ألبست الأميرات والمشاهير، من بينهم ويتني هيوستن.
نقلاً عن :
https://www.ad-italia.it/article/viaggio-marocco-rabat-casablanca-marrakech-artigianato/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى