«لوحة بلا رجعة» لمحمد فوعاني … ساعة تنكشف وجوه الإنسان خلف الأقنعة

كتب جمال فياض

على خشبة مسرح المونو، وفي عمل حمل عنوان «لوحة بلا رجعة»، اجتمع المخرج محمد فوعاني مع مجموعة من الممثلين الشباب الموهوبين: إياد حيدر، كارول شويّ، نورما نصرالله، وعلي شاهين، ليقدموا تجربة مسرحية خفيفة الظل، عميقة الدلالة، وممتعة إلى حدّ يجعل الساعة التي تستغرقها المسرحية تمرّ وكأنها دقائق معدودة.

منذ اللحظة الأولى، ينجح محمد فوعاني في الإمساك بخيوط اللعبة المسرحية. نحن أمام مساحة صغيرة، ومشهد واحد تقريباً، وغرفة لا تتبدّل فيها الديكورات ولا تتغيّر معالم المكان. لكن المدهش أن هذا المخرج الشاب استطاع أن يأخذنا في رحلة كاملة خارج حدود المسرح. فجأة نجد أنفسنا في الشارع، ثم في المخفر، ثم في المنزل وغرفة النوم، ثم في أجواء تصوير فيلم سينمائي، ثم في أماكن أخرى تتوالى أمامنا من دون أن نغادر مقاعدنا أو يغادر الممثلون تلك المساحة المحدودة.

هذا الإنجاز الإخراجي لم يكن قائماً على الاستعراض أو الحيل البصرية، بل على ذكاء في إدارة الحركة والإيقاع، وعلى قدرة واضحة في استثمار العناصر البسيطة إلى أقصى حدودها. ومن خلال سبع لوحات معلّقة على الجدار، استطاع فوعاني أن يبني عالماً كاملاً وأن يقنعنا بأننا انتقلنا معه من مكان إلى آخر ومن حالة إلى أخرى.

أما النص، المقتبس عن عمل أجنبي،
للكاتب الفرنسي جان بيار مارتينيز، حيث يتحدث عن الكسل، البخل، الحسد، الشهوة، الكبرياء، الغضب، والشراهة… كيف يمكن أن يرتكب الإنسان الخطايا السبع والقاتلة في يوم واحد، وفي مكان واحد ،دون أن يغادر هذا المكان..
هذا العمل جاء رشيقاً وسلساً ومشحوناً بالمفارقات. خلال ساعة واحدة فقط عشنا مع شخصيات تمثل معظم العيوب البشرية التي نعرفها: الكذب، والخداع، والاحتيال، والبخل، والقسوة، واللؤم، والسذاجة، والسطحية، والانتهازية، والادعاء. وفي المقابل رأينا الحنان والتسامح والطيبة والضعف الإنساني بكل تجلياته. كانت المسرحية أشبه بمرآة صغيرة للنفس البشرية بكل تناقضاتها.
في الأداء التمثيلي، يثبت إياد حيدر أنه يمتلك حضوراً لافتاً على الخشبة. أداؤه الطبيعي وقدرته على الانتقال بين الانفعال والكوميديا منحا الشخصية صدقية محببة، وكشفا عن موهبة تستحق المتابعة والرهان عليها مستقبلاً.

أما كارول شويّ فقدمت أداءً مليئاً بالحيوية والمرونة. تملك خفة محببة وحضوراً ذكياً يجعل المشاهد يلتفت إليها في كل مرة تظهر فيها على المسرح. وهي من الوجوه التي تملك إمكانات كبيرة للنمو والتطور في المسرح والدراما معاً.
وتمنح نورما نصرالله العرض قدراً من العفوية والجاذبية. أداؤها بدا متوازناً وواثقاً، وتمكنت من بناء شخصية مقنعة بعيدة عن المبالغة، مع قدرة واضحة على التواصل المباشر مع الجمهور.
أما علي شاهين فكان أحد أبرز عناصر الإيقاع في العمل. حضوره القوي وتلويناته التعبيرية وقدرته على الإمساك بالتفاصيل الصغيرة جعلت مشاهده نابضة بالحياة ومليئة بالطاقة.
ما يبعث على التفاؤل حقاً ، أن هذه المجموعة من الشبان والشابات لا تعتمد فقط على الحماسة، بل تمتلك موهبة حقيقية وأدوات واعدة. وخلال ساعة واحدة فقط نجحوا في أن يجعلونا نستمتع بجولة داخل دهاليز النفس البشرية، فنضحك أحياناً، ونتأمل أحياناً أخرى، ونكتشف كم يمكن للمسرح البسيط أن يكون غنياً عندما يقوده مخرج يعرف ماذا يريد، ويقف إلى جانبه ممثلون يؤمنون بما يقدمونه.
«لوحة بلا رجعة» ليست مجرد أمسية مسرحية عابرة، بل إعلان واضح عن جيل جديد من الموهوبين وأبرزهم المخرج الشاب محمد فوعاني، الذين قد يكون لهم شأن مهم في السنوات المقبلة، سواء على خشبة المسرح أو أمام كاميرات الدراما والسينما. إنها تجربة جميلة تستحق المشاهدة، وتستحق أيضاً أن نحيّي أصحابها على هذا الجهد الصادق والممتع.

Scroll to Top