أم كلثوم في أذن جيل لم يعاصرها

بقلم: يوبا سيف
ممثل مسرحي وفنان تشكيلي (الجزائر)
من الصعب أن نتحدث عن الموسيقى العربية دون أن تمرّ أمامنا صورة أم كلثوم، «كوكب الشرق»، تلك الفنانة التي تحولت عبر عقود إلى واحدة من أكثر الرموز رسوخاً في الذاكرة الفنية العربية. فمنذ ظهورها، ارتبط اسمها بالقوة الصوتية، والتمكن، والهيبة الفنية، وأصبحت أغانيها جزءاً من تاريخ الموسيقى العربية، حتى إن الحديث عنها غالباً ما يأتي محاطاً بقدر كبير من التقديس والإعجاب.
لكن ماذا يحدث عندما ينظر إليها جيل لم يعاصر زمنها؟
أنا، كفرد من هذا الجيل، أعرف أم كلثوم بالتأكيد، لكن معرفتي بها لم تبدأ من صوتها أو من تجربة الاستماع المباشرة إليها. لقد عرفتها أولاً من خلال الإعلام، ومن خلال الفنانين الذين يتحدثون عنها باعتبارها قمة لا يمكن تجاوزها. ثم عرفت أغانيها أكثر من خلال المطربات المعاصرات اللواتي أعدن غناءها، ووجدت نفسي أحياناً أتفاعل مع الأغنية بصوت المطربة الجديدة أكثر مما أتفاعل معها بصوت أم كلثوم نفسها.
وهنا تظهر المفارقة.
لا أستطيع أن أنكر القيمة الفنية لأم كلثوم، ولا عظمة الألحان التي غنتها، ولا المكانة التي صنعتها في تاريخ الموسيقى العربية. لكن الاعتراف بالأهمية التاريخية لا يعني بالضرورة أن أشعر بالانجذاب نفسه إلى الصوت. فبالنسبة لي، صوت أم كلثوم لا يحمل دائماً ذلك الإحساس الأنثوي الذي أبحث عنه في صوت المطربة، كما أن إحساسها بالأغنية لا يصل إليّ بالطريقة نفسها التي يصل بها إحساس بعض المطربات من الجيل الحالي عندما يؤدين أغانيها.
وهذا لا يعني أن أم كلثوم أقل قيمة، بل يعني ببساطة أن الذائقة الفنية ليست حقيقة ثابتة تنتقل من جيل إلى آخر دون تغيير.
ربما كان صوت أم كلثوم ثورة في زمنه، وربما كانت قوته وطريقته في التعبير متوافقة تماماً مع أذن جمهورها ومرحلتها التاريخية. أما نحن، فقد نشأنا وسط أصوات وأساليب وأشكال مختلفة من التعبير الغنائي، ولذلك نستقبل الصوت بمعايير وتجارب أخرى.
وربما أجمل ما في الفن أنه يسمح لنا بأن نقول: أعرف عظمة الفنان، لكنني لا أحبه بالضرورة.
أم كلثوم ستبقى بلا شك جزءاً أساسياً من تاريخ الغناء العربي، لكن تقدير التاريخ لا يجب أن يتحول إلى إلزام للذائقة. فالفن العظيم يستطيع أن يبقى خالداً، وفي الوقت نفسه يسمح لكل جيل بأن يعيد اكتشافه، أو حتى أن يختلف معه.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي ليس: هل كانت أم كلثوم عظيمة؟ فهذا حسمه التاريخ. بل السؤال هو: هل ما زال صوتها يخاطب أذن الإنسان العربي الجديد بالطريقة نفسها؟ وهنا، لكل جيل حقه في أن يجيب بطريقته الخاصة.




