أخبار فنّيةكتب جمال فياض

أميمة وهاني وأندريه … تريو الجمال النقيّ!

كتب جمال فياض

Screenshot
Screenshot

Screenshot

في أمسيةٍ استثنائية احتضنتها الكنيسة الإنجيلية الأرمنية الأولى في منطقة المصيطبة، عاش الحضور واحدة من أجمل التجارب الموسيقية خلال حفل غنيّ بالدفء والرقي قدّمته الفنانة أميمة الخليل بمشاركة الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرقية – عربية التابعة للمعهد الوطني العالي للموسيقى. كان واضحاً منذ اللحظة الأولى أن الجمهور جاء بشغف ليسمع صوتاً يحمل ذاكرة جيل كامل، ويستعيد علاقة حميمة مع موسيقى صادقة لا تزال تحافظ على سحرها رغم تغيّر الزمن وتقلّباته.

المشهد كان متكاملاً منذ دخول الفرقة إلى المسرح بقيادة المايسترو أندريه الحاج، الذي بدا واضحاً أنه يملك قدرة لافتة على ضبط الإيقاع العام للعرض، وعلى رسم منحنيات موسيقية دقيقة تعكس حرفية عالية وتماهياً كاملاً مع طبيعة صوت أميمة الخليل وأسلوبها الغنائي. كانت إشارته حاضرة دائماً، ثابتة حين يجب، وانسيابية حين يتطلّب اللحن مساحة للتنفس أو للانطلاق. هذه البراعة جعلت الأوركسترا تقدّم أداءً شديد التماسك، فأضاءت كل قطعة موسيقية بعمقها وجمالها، وأعادت توزيعها بروح جديدة تليق بخصوصية المكان وبحساسية صوت أميمة.

أما الفنان هاني سبليني، فكان شريكاً حقيقياً في بناء هذا المناخ الجمالي. حضوره على البيانو لم يكن مرافقةً تقليدية بقدر ما كان مساحة إضافية من اللغة التعبيرية. العزف جاء رشيقاً، سلساً ومحمّلاً بمشاعر واضحة، وكأنه يكمّل الجملة الغنائية ويمنحها طبقة إضافية من الدفء. الانسجام بينه وبين صوت أميمة بدا وكأنه تواصل قديم، يمتاز بثقة عالية وبحس مشترك في التقاط اللحظات التي تحتاج إلى همس رقيق أو اندفاع قوي.

أميمة الخليل كانت نجمة الأمسية بلا منازع. صوتها حمل صفاءً لافتاً وقوة تعبيرية نادرة جعلت الجمهور يذوب في تفاصيل الأغاني. أداؤها كان مزيجاً من النضج الفني والراحة الداخلية، وكأنها تعود إلى بيتها الأول، إلى خشبة تعرفها وتعرفها هي. كل أغنية بدت كحكاية ترويها بصدقٍ شديد، من “ذكريات الفل” إلى “دعاني”، مروراً بـ“شو بيتغيّلك”، “طرقات وضجيج”، “عصفور”، “الطيفة الوسطى”، وصولاً إلى “لا تَوق” و“الكمنجات”. كل عمل حمل معه لمسة خاصة، ومع كل انتقال كان الجمهور يزداد التصاقاً بالمشهد، يصفّق بحرارة، ويشارك بتناغم واضح مع طاقة أميمة وبلاغة أدائها.

الجمهور لعب بدوره دوراً أساسياً في نجاح الأمسية. التفاعل كان كبيراً، عفوياً وصادقاً، يتراوح بين الصمت التام حين يعلو صوت أميمة في المقاطع الحسّاسة، وبين الهتاف والتصفيق المتواصل بعد كل مقطوعة. بدا واضحاً أن الحضور عاش كل لحظة بكل جوارحه، وأن الأغاني أثارت في نفوس كثيرين ذكريات شخصية وأحاسيس دفينة. هذه العلاقة بين الفنان والجمهور لم تكن مجرد تبادل تقليدي، بل شكلت حالة احتفالية حقيقية بالفن والإحساس والجمال.

الحفل في مجمله كان شهادة جديدة على قدرة الفن اللبناني على النهوض رغم الظروف، وعلى أن الموسيقى تبقى اللغة الأصدق التي تجمع الناس تحت سقف واحد، مهما تعدّدت ثقافاتهم وخلفياتهم واهتماماتهم. أميمة الخليل أثبتت مرة أخرى أنها ليست مجرد صوت، بل ذاكرة فنية وثقافية، وأن حضورها على المسرح ما زال قادراً على إحداث ذلك الوميض الذي يجعل الليل أكثر دفئاً وأكثر إنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى